القاضي التنوخي

301

الفرج بعد الشدة

قال : فجلست على قارعة الطريق ، فإذا رجل هندي ، مقبل وعلى كتفه كارة ، فحطّها وجلس حذائي . فقلت : أين تريد ؟ قال : الرستاق « 2 » الفلاني . قلت : وأنا الآخر كذلك . قال ؛ فنصطحب ؟ قلت : نعم . فصحبته طمعا في أن يعرض عليّ شيئا من مأكوله ، فلم يفعل ، ولم تطب نفسي أن أبدأه بالسؤال . فلمّا فرغ قام يمشي ، فمشيت معه ، وبتّ معه ، طمعا في أن تحمله المؤانسة على العرض عليّ ، فعمل بالليل كما عمل بالنهار . [ 254 ر ] . قال : وأصبحنا في غد ، فمشينا ، فعاملني بمثل ذلك أربعة أيّام ، فصار لي سبعة أيّام لم أذق فيها شيئا . فأصبحت في الثامن ضعيفا مهووسا « 3 » لا قدرة لي على المشي ، فعدلت عن الطريق ، وفارقت الرجل ، فرأيت قوما يبنون ، وقيّما عليهم ، فقلت للقيّم : استعملني مثل هؤلاء بأجرة تعطينيها عشيّا . فقال : نعم ، ناولهم الطين . فقلت : عجّل لي أجرة يوم ، ففعل ، فابتعت بها ما أكلته . وقمت أناولهم الطين ، فكنت - لعادة الملك - أقلب يدي إلى ظهري وأعطيهم الطين ، فكما « 4 » أذكر أنّ ذلك خطأ ينبّه عليّ ويسفك دمي ، أبادر بتلافي ذلك ،

--> ( 2 ) الرستاق : ما يحيط بالبلدة من الريف والقرى . ( 3 ) الهوس : طرف من الجنون وخفّة العقل . ( 4 ) كما أذكر : اصطلاح بغدادي في أيّام التّنوخي ، معناه : حالما أذكر ، أما الآن فيستعمله أهل الموصل .